حسن حسني عبد الوهاب

598

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

" فلما دخلنا الجامع وتوسطنا مساكبه أخذتني وحشة شديدة لدرجة أني انعزلت ناحية بعيدة ، وقد اغرورقت عيناي بالدموع لما أصابني من التأثر ، فجلست في مكان منحرف عن صحبي ، وبينما أنا في تفكيري وتأثري إذ بيد من ورائي وضعت على كتفي من غير أن أشعر ، فإذا هو سعادة سفير تركيا يضحك في وجهي ويخاطبني بقوله : - يظهر أنك انزعجت من رؤية جامع إسلامي حوّل إلى كنيسة ؟ فاعلم أن مثل هذا يقع لكل الدول التي امتدت فتوحها إلى الشرق والغرب ، لكن لا تنسى إننا إذا خسرنا مسجدا تقام فيه الآن طقوس المسيحية ، فأنا نملك ما هو أعز وأثمن من ذلك في نظر هؤلاء المغتصبين : ألا وهي كنيسة القيامة بمدينة القدس ، تلك التي يعتقدون أنها تضمّ رفات إلاههم كما يزعمون ، فاذكر هذا يهوّن عليك ما أصابك " فشكرت فضله لتنبيهي لما كنت عنه غافلا ، والتحقت برفاقي مغتبطا مما سمعت " . له : " الرحلة الأندلسية " - فيها خبر زيارته إلى البلاد الإسبانيّة وما شاهده فيها من المعالم والآثار ووصف أخلاق السكان وعوائدهم وملاهيهم ولباسهم وأكلهم وكلامهم مع ما يعن له من الانتقاد في نظامات الهيئة الاجتماعية والإدارة وما تثير مشاهداته في نفسه من المقارنة بين ما هو موجود بالأندلس إذ ذاك وبين بلاده القطر التونسي . وبالجملة فإن رحلته هذه تعد أوّل رحلة في إسبانيا من شاب مسلم محيط بالثقافتين العربية القديمة والإفرنجية الحديثة إذ كان يحسن جيّدا اللسان الفرنسي وشيئا من الطلياني ، ونشرت رحلته تباعا في جريدة " الحاضرة " الأسبوعية في السنوات الثلاثة 1305 إلى 1307 / 1888 - 1890 م ( من عدد 3 إلى 103 ) في 28 عددا 7 . ويا حبذا لو توفق بعض شبّابنا واعتنى بإصدار تلك الرحلة على حدة 8 مع التعريف المستوفى بمؤلفها والتعليق عليها بما تستحق 9 .